رسالة إلى الأسير النائب حسام عبدالرحمن

 

د.راسم يونس

 

بداية أسأل الله العليّ القدير أن يأخذ بيدكم ويفك أسركم وزملاءك، وتعودوا لتتمتعوا بالحرية بين الأهل والأحباب.

        تعمدت أن أرسل هذه الرسالة مع خروج آخر مستوطن من غزة، ومع ماينتاب الإنسان من شعوربالفخر والاعتزاز والفرح، إلاّ أنني لا أدري لماذا انتابني شعور من الخوف من المستقبل القريب.

        عندما أمسكت القلم لأخط لك هذه الرسالة، انتابني هاجس كبير وشريط ذكريات مرّ في مخيلتي يبدأ من أواسط السبعينات من القرن الماضي عندما كنت معلماً للتربية الرياضية في مدرسة بلاطة الإعدادية في مخيم بلاطة بنابلس، وفي ذلك الوقت كان هناك هيجان ومظاهرات في الضفة الغربية وخصوصاً مخيم بلاطة، وكنت أرقب فتية في عمر الورود وهم يتحلون بالحيوية والنشاط والتضحية، وكان هؤلاء الفتية يعتقدون أن رمي الحجارة على المدرسة هي من العمل الوطني، أدركت أن لهؤلاء الفتية مفهوماً خاطئاً وتسطتيع بشيء من الصبر إقناعهم بعكس هذا المفهوم، وظللت أراقب من هم قادة هؤلاء ومع من نستطيع أن نتحدث، ولاشك أنني أادركت منذ الوهلة الأولى أنك واحد منهم، وتحدثت إليك خاصة، وأعدت ذلك في الصف، فكان التجاوب رائعاً، ودرجت أن أتحدث عن أي ممارسات خاطئة من خلال التلاميذ حتى أصبح الشعار "دع صوتك خافتاً وعصاك غليظة، ولا تدع صوتك عالياً وعصاك خفيفة".

        انتقلت بعدها للعمل في جامعة النجاح وتلاقينا ثانية وكنت في مجلس الطلبة، أو حتى رئيس المجلس، وكنت أيضاً ذلك الشاب العاقل الذي يزن الأمور فلا يتركها على هواها أو حتى تقترب من الإحتكاك غير المحمود برغم أن تلك الفترة امتازت بالنشاط الفصائلي المحموم، ولا أنسى يوم الجمعة عندما بدأت الانتفاضة الأولى وبعد خروجنا من الجامع، وإصابتك في قدمك وعندما زرتك في المستشفى وأشرت عليك أن هذه الحالة ليست مثل كل الحالات وأنها ستكون قاسية جداً وعليك بالحيطة والحذر، ويخرجونك من الضفة إلى الخارج ويبقى التواصل والمشورة، وعندما عدت إلى الوطن وعملت في وزارة الشباب والرياضة معي وجاءت الانتخابات وطلبت المشورة شجعتك على ذلك وأوصيتك أن لا تختلف بعد النجاح، وفعلاً نجحت وظللت كما عهدتك متمسكاً بإبداء الحق وعدم الولوج في النفاق، وهذا سبّب لك أعداء كثراً إلى أن انتهى بك المطاف إلى ما أنت عليه الآن بسبب حرصك على التمسك بالمباديء والقيم.

        لا أدري لماذا مرّ بي هذا الشريط، وأجبرني أن أكتب تلك المقدمة قبل الولوج في الرسالة التي حرصت كل الحرص على ماهية مضمونها، وتساءلت في نفسي هل أرسل لك رسالة إنشائية فقط أم رسالة تخص هذا الوضع الذي لم أجد له وصفاً، فعلى سبيل المثال إذا تطرقنا إلى السياسة وانقلاب المفاهيم فيها، وأصبحت السياسة لعبة يمارسها الجميع، وهل أصبحت السياسة منبراً للخطابة والنفاق ودغدغة العواطف؟ أم أنها سياسة نظيفة خالية من الغش والخداع، وهنا لم أجد استشهاداً إلاّ ما كتبه أحد السياسيين المعذبين في الأرض، والذين اضطهدوا وأبعدوا عن وطنهم وأصابهم ما أصابهم من تعذيب إلى أن وصل إلى نتيجة خطّها بقلمه بقوله "لا يكفي العمل السياسي أن يكون الإنسان  صادقاً ومتفانياً، خاصة في جو الكهانة، والذي انتقل من الأديرة النائية إلى التنظيمات السرية، فحين تغيب الحرية في القول والاختيار، وحين يتم التستر على كل شيء، خاصة الأخطاء، بحجة حماية التنظيم، ولعدم تمكين الأعداء، تعتبر بل من الأفضل، بل الأهم، أن يكون الإنسان بارعاً وأقرب إلى النفاق، خاصة من هم أكبر منه موقعاً، ومع من هم أقوى! أما إذا كانت الطيبة سلاح المناضل، فإنها في حالات كثيرة تدل على الغفلة وسوء التقدير، وعدم معرفة القوانين الحقيقية التي تحرك الأشخاص وتتحكم بالسياسة والدول".

        أم التحدث عن الحرية التي أصبحت شعاراً زائفاً تتغنى فيه الدول فقط بالمناسبات وتخادع الشعوب، أم أن تلك الحرية هي مقصورة على أمة دون غيرها، إن الحرية هي التي وهبها الله للناس حتى يعيشوا في كرامة وإباء دون تمنن أو تفضل من أحد، وهنا وقفت في مقالة "لوقيانس" وهو حكيم إغريقي منذ آلاف السنين كانت الحرية أعز صديق له، وكان يقول "باعتزاز" هؤلاء المهرجون والدجالون الجهال الذين خلقوا ليزحفوا على بطونهم، وولدوا للذل، وعاشوا للهوان، وفطموا على المسكنة، إذ استطاع هؤلاء أن يتخلصوا من هذا العمل المشين، فلن يجدوا لأنفسهم أي عمل آخر، لأنهم لن يصلحوا لسواه، وبذلك يبقون عاطلين مدى العمر.

        أن طريقته في التعبير، وأيضاً كلماته، تكاد تكون معاصرة، حتى ليظن الإنسان أن هذا الكلام هو كلام كاتب معاصر يختفي وراء هذا الكاتب القديم الذي عاش قبل أكثر من ألف وثمانمائة سنة، أو ربما لأن الحياة لم تتغير، ولم يتغير البشر منذ "لوقيانس" حتى يومنا هذا إلا  من حيث طريقة الأكل والشرب، وأما الطباع فظلت كما هي؟.

        وهل المستقبل القادم هو مستقبل مشرق أم مستقبل قاتم، لأن من يقرأ الماضي بطريقة خاطئة سوف يرى الحاضر والمستقبل بطريقة خاطئة أيضاً لذلك لا بد أن نعرف ما حصل كي نتجنب وقوع الأخطاء مرة أخرى، ومن الغباء أن يدفع الإنسان ثمن الخطأ الواحد مرتين، أنا أرى المستقبل البعيد هومشرق بالنسبة لنا ليس لأنني أرى المستقبل ولا هو اجتهاد مني، ولكنه من رب العزة إلى هذه الأمة حين قال في كتابه العزيز "وكان علينا حقاً نصر المؤمنين" صدق الله العظيم، ولكني عندما أستقريء ما قاله أحد الحكماء منذ زمن بعيد عن المستقبل حين قال "إن الحاضر لا يعنيني، أما المستقبل فيحزنني غاية الحزن، لأنني أرى فيه اشتعال الكون ودماره، وهذا ما يهيب بي لأن أتحسر وأنتحب،إنني لأذرف الدمع غزيراً لعدم رؤيتي أي شيء ثابت، فكل شيء متداخل بعضه في بعض، فالذي تخلطه بالألم والمعرفة تمزجه بالجهل، والكبير بالصغير، والرفيع بالوضيع، وإنها لحفله لا تبرح شخوصها تتعاقب في لعبة الزمن.

        ترى هل ما قاله ينطبق على العالم اليوم، أو عن مستقبل العالم، وهل حقاً كان يقرأ المستقبل بهذا الشكل ونحن الآن في عصر العولمة والحروب الدامية هنا وهناك، أم أن العالم قد استبد به الخوف لدرجة أصبح عنده قتل البشر عادة سهلة، وماذا عنا نحن الفلسطينيين هل المستقبل القريب سيكون شفافاً ومشرقاً أم عكس ذلك.

        لقد أطلت عليك وأوجعت رأسك في كلمات واستشهادات غير فلسطينية ولكنني وجدت أنها تعبر أحياناً عما يجول بخاطري وأختم هذه الرسالة بهذه القصة.

        "يُحكى أن ملكاً من ملوك مصر درب قردة على الرقص، والمعروف أن هذه الحيوانات، هي أكثر ما تقلد الإنسان وقد تعلمت بسرعة ورقصت بعد أن تزينت بالأرجوان، ووضعت على رؤوسها الخوذ، وظل هذا المشهد يثير إعجاب الناس، حتى جاء يوم شاء أحد النظارة أن يلهو، وكان في حوزته جوز ألقاه في حلبة الرقص، وما أن شاهدته القرود حتى نسيت الرقص وعادت إلى طبيعتها الأولى، قرَدة بدل راقصين، فحطمت خوذها ومزّقت ثيابها، وتقاتلت في سبيل الحصول على الجوز، فاختل نظام الرقص، وراح النظارة يضجون بالضحك"!.

        تُرى أين نحن من ذلك؟!

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية | حسام في سطور | السيرة الذاتية مقابلات صحفية | مقابلات تلفزيونية | حوارات حية | بيانات | وجهة نظر | مَشاهِد  | مقالات حرة  | روابط   | دفتر الزوار | صور | اللجنة الشعبية للتضامن مع النائب حسام خضر | تعريف باللجنة | ليلة الاعتقال | آخر الاخبار | بيانات اللجنة | نشاطات اللجنة  | الاعتقال في الصحافة| بيانات تضامنية | التوقيع |التقارير الاعلامية دخول اداريين | English | |

تصميم وتطوير: ماسترويب

أفضل عرض للصفحة هو 800*600 فما فوق

للمراسلة info@hussamkhader.org

           freekhader@hotmail.com